المقريزي
221
المقفى الكبير
وببغداد من قاضي القضاة أبي عبد اللّه محمد بن عليّ ابن الدامغانيّ ، وأبي الحسين عاصم بن الحسن وغيره ، وبواسط من أبي الحسن عليّ بن محمد المغازليّ ، وبالبصرة ومكّة من غير واحد . وحجّ سنة ستّ وسبعين وأربعمائة ، وسار إلى بغداد والبصرة . وتفقّه على أبي محمّد الشاشيّ ، واجتمع بالإمام أبي حامد الغزاليّ ببيت المقدس . وأقام بالإسكندريّة فتفقّه عليه أكثر فقهائها . وكانت إليه الرحلة ، وقدم القاهرة مرارا ، وآخر ما قدم إليها في شهر شوّال سنة ستّ عشرة وخمسمائة ، والوزير يومئذ الأجلّ المأمون أبو عبد اللّه محمد بن فاتك البطائحيّ ، وكانت بينهما مودّة قديمة ، وأهدى إليه كتاب « سراج الملوك » ، وكان قد صنّفه للأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش ، فقتل قبل إتمامه « 1 » . فبالغ في كرامته ، وأنزله بمجلسه ، وقام عند رؤيته ، وجلس بين يديه ، وأجرى له في كلّ يوم خمسة دنانير من مال الجوالي « 2 » ، فلم يقبل منها غير دينارين كانا باسمه من الأيّام الأفضليّة . وكان الداعي لحضوره أمر المواريث ، وما يأخذه أمناء الحكم من أموال الأيتام ، وهو ربع العشر ، وأمر توريث البنت نصف المال . وكانوا يورّثونها جميع المال مع وجود العصبة ، كما هو مذهب آل البيت . فاعتدّ المأمون بأنّ هذه قضيّة لم يحدثها ، وأنّ أمير الجيوش بدرا هو الذي استجدّها ، وهي تسمّى بالمذهب الدارج : وهو أنّ كلّ من مات يعمل في ميراثه على حكم مذهبه ، وقد مرّ على ذلك عدّة سنين . فقال له الفقيه أبو بكر : إذا علمت أنّها ما تخلّصك من اللّه فغيّرها ، ويكون لك أجرها . فقال : أنا نائب الخليفة ، ومذهبه ومذهب جميع الشيعة من الزيديّة والإماميّة والإسماعيليّة أنّ الإرث جميعه للابنة خاصّة بلا عصبة ولا بيت مال ، ويتمسّكون بآية من كتاب اللّه كما يتمسّك غيرهم ، وأبو حنيفة موافقهم في القضيّة - يعني توريث ذوي الأرحام . وطال بينهما الكلام ، إلى أن قال المأمون للفقيه أبي بكر : أنا لا أريد مخالفتك ، ولا في قدرتي أن أردّ على الجماعة مذهبهم ، والخليفة يرى به وينقضه على من يأمر به ، بل أرى لشفاعة الفقيه أن أردّ الجميع للابنة على رأي الدولة فيرجع كلّ أحد إلى حكم رأيه في مذهبه فيما يخلّصه من اللّه ، ويبطل حكم بيت المال الذي لم يذكره في كتابه ولا أمر به الرسول عليه السلام . فأجاب الفقيه إلى ذلك ، وأمر المأمون بأن يكتب [ به وأن يكتب ] بتعويض أمناء الحكم عن ربع العشر [ بتقرير جار لهم في كلّ شهر ] من مال المواريث الحشريّة « 3 » . وكتب توقيع شملته العلامة الآمريّة [ وبعدها العلامة ] المأمونيّة ، نصّه ، بعد البسملة : خرج [ أمر ] أمير المؤمنين ، الآمر بأحكام اللّه ، أبو عليّ المنصور ، صلوات اللّه عليه وعلى آبائه الطاهرين ، بإنشاء هذا المنشور عندما طالعه السيّد الأجلّ المأمون أمير الجيوش ، وهو الخالصة أفعاله في حياطة المسلمين ، وذو المقاصد المصروفة إلى النظر في مصالح الدنيا
--> ( 1 ) أي : قتل الأفضل سنة 515 قبل أن يتمّه الطرطوشيّ . ( 2 ) الجوالي « ما يؤخذ من أهل الذمّة عن الجزية المقرّرة على رقابهم في كلّ سنة » ( صبح الأعشى 3 / 462 ، دهمان رقم 294 ) . وانظر : جاسر أبو صفيّة : مشكلة الجوالي في البرديّات الأمويّة ، حوليّات الجامعة التونسيّة عدد 89 ( 1995 ) ص 183 . ( 3 ) هي المواريث التي لا وارث لها ، فتعود إلى بيت المال ( صبح الأعشى 3 / 464 ) . والزيادات والإصلاح من اتّعاظ الحنفاء 3 / 89 .